محمد بن جرير الطبري

340

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

دعواه ، ثم لن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . فإن ظن ظان أن المرأة إذا فارقها زوجها ، فقد بطل أن يكون بيده عقدة نكاحها ، والله تعالى ذكره إنما أجاز عفو الذي بيده عقدة نكاح المطلقة فكان معلوما بذلك أن الزوج غير معني به وأن المعني به هو الذي بيده عقدة نكاح المطلقة بعد بينونتها من زوجها . وفي بطول ذلك أن يكون حينئذ بيد الزوج ، صحة القول أنه بيد الولي الذي إليه عقد النكاح إليها . وإذا كان ذلك كذلك صح القول بأن الذي بيده عقدة النكاح ، هو الولي ، فقد غفل وظن خطأ . وذلك أن معنى ذلك : أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحه ، وإنما أدخلت الأَلف واللام في النكاح بدلا من الإِضافة إلى الهاء التي كان " النكاح " لو لم يكونا فيه مضافا إليها ، كما قال الله تعالى ذكره : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى بمعنى : فإن الجنة مأواه ، وكما قال نابغة بني ذبيان : لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم * من الناس فالأَحلام غير عوازب بمعنى : فأحلامهم غير عوازب . والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى . فتأويل الكلام : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ، وهو الزوج الذي بيده عقدة نكاح نفسه في كل حال ، قبل الطلاق وبعده ، لا أَن معناه : أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحهن . فيكون تأويل الكلام ما ظنه القائلون أنه الولي : ولي المرأة ، لأن ولي المرأة لا يملك عقدة نكاح المرأة بغير إذنها إلا في حال طفولتها ، وتلك حال لا يملك العقد عليها إلا بعض أوليائها في قول أكثر من رأى أن الذي بيده عقدة النكاح الولي ، ولم يخصص الله تعالى ذكره بقوله . أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ بعضا منهم ، فيجوز توجيه التأويل إلى ما تأولوه ، لو كان لما قالوا في ذلك وجه . وبعد ، فإن الله تعالى ذكره إنما كنى بقوله : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ عن ذكر النساء اللاتي قد جرى ذكرهن في الآية قبلها ، وذلك قوله : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ والصبايا لا يسمين نساء وإنما يسمين صبيا أو جواري ، وإنما النساء في كلام العرب : جمع اسم المرأة ، ولا تقول العرب للطفلة والصبية والصغيرة امرأة ، كمالا تقول للصبي الصغير رجل . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان قوله : أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ عند الزاعمين أنه الولي ، إنما هو : أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ عما وجب لوليته التي تستحق أن يولي عليها مالها ، إما لصغر ، وإما لسفه ، والله تعالى ذكره إنما اختص في الآيتين قصص النساء المطلقات ، لعموم الذكر دون خصوصه ، وجعل لهن العفو بقوله : إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ كان معلوما بقوله : إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أن المعنيات منهن بالآيتين اللتين ذكرهن فيهما جميعهن دون بعض ، إذ كان معلوما أن عفو من تولى عليه ماله منهن باطل . وإذ كان ذلك كذلك ، فبين أن التأويل في قوله : أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحهن ، يوجب أن يكون لأَولياء الثيبات الرشد البوالغ من العفو عما وجب لهن من الصداق بالطلاق قبل المسيس ، مثل الذي لأَولياء الأَطفال الصغار المولى عليهن أموالهن السفه . وفي إنكار المائلين إن الذي بيده عقدة النكاح الولي ، عفو أولياء الثيبات الرشد البوالغ على ما وصفنا ، وتفريقهم بين أحكامهم وأحكام أولياء الأَخر ، ما أبان عن فساد تأويلهم الذي تأولوه في ذلك . ويسأل القائلون بقولهم في ذلك الفرق بين ذلك من أصل أو نظير ، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في خلافه مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى فقال بعضهم : خوطب بذلك الرجال والنساء . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت أبن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى قال : أمر بهما للتقوى الذي يعفو . حدثنا ابن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد بن عبد العزيز ، قال : سمعت تفسير هذه الآية : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى قال : يعفون جميعا . فتأويل الآية على هذا القول خوطب بذلك الرجال والنساء : وأن تعفوا أيها الناس بعضكم عما وجب له قبل صاحبه من الصداق قبل الافتراق عند الطلاق ، أقرب له إلى تقوى الله . وقال آخرون : بل الذين خوطبوا بذلك أزواج المطلقات . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وأن يعفو هو أقرب للتقوى . فتأويل ذلك على هذا القول بل الذين خوطبوا بذلك أزواج المطلقات : وأن تعفوا أيها المفارقون